امــــي جــــــاءت
للكاتبة / منيرة آل سليمان
مؤلفة وكاتبة وروائية سعودية
لها العديد من القصص والروايات الجميلة
تدور أحداث الرواية حول قصة هروب البطلة حين كانت طفلة من منطقة نزاع ، وهي الآن لاجئة في الولايات المتحدة، لكن قصة الهروب عجيبة ومأساوية بقدر كثير على طفلة، تحصل في رحلة الهروب أحداث أصعب من الكوابيس ولايمكن تصديقها سوى أنها حصلت
وتتقاطع مع معاناة اغتترابها وقصة اللجوء في أكثر من بلد
لهذا الرواية تتكيء على أحداث حقيقة في أكثرها
______________
مقاطع من الرواية
ذلك اليوم الماطر الذي لاينسى !
وقد حفر أخاديده في ذاكرتي وأجرى وديانه فيها وماج سيله كبحر وتعالى زبده كجبل
لازال موجه يصفق في مخيلتي حتى الساعة !
لم يكن مطرا وحسب ! وقد اغتسل فيه كل شيء
البيوت ، والشوارع، والأشجار،وحتى فوهات البنادق !
كان يفترض فيه أن يكون مبهجا لذيذا كعادة الأيام الماطرة وهي تفرش الفرح في طريقها وتزرعه في النفوس رغما عنها !
تستلذ أكثر حين تجيء بعد غياب طويل وجفاف موجع !
لكن هذا اليوم بالذات صار طعم المطر عاديا ورائحته التي كنت أعشقها تلاشت ،لم استنشقها أبدا ولم تملأ رئتي !
غابت احتفاليتي المعهودة به ، وغاب ركضي تحته !
لم يعد يعنيني أن أقفز بين قطراته ولا أفتح فمي قدر اتساعه وأمد لساني لها لتنقره وتقفز لجوفي وأضحك بسعادة بفرح طفولي لايعرف شيئا عن فوضى الكبار!
أواه ياتلك القطرات !
هي ذاتها صرت أخالها دموعا تنسكب وتنتحب فوق سطح بيتنا !
وتظل تصب من فوقه وتمشي من تحته وتجري وتلتحم بكل مايجري فتكون سيلا يفتك أحيانا مع من يفتك بنا !
ذلك اليوم الذي لاينسى وقد بدى بيتنا الطيني الواسع يشرق بمطره ويشرق بما يجري فيه ! وقد بدت الحركة فيه غير عادية وتوحي بأن ثمة شيء يحدث أو سيحدث
سيان
بالنهاية يبدو شيئا مخيفا يوشك أن يقع ، لكن على رأس من هذه المرة ؟ تحسست هامتي وأنا أتابع أمي كانت تكمل دورتها في البيت تروح وتجيء،تركض ثم تمشي تقف وتهرول ثانية !تجمع أشياء تصرها ثم تخبئها وتعود من جديد تبحث عن شيء ما !
لم يكن لديها الوقت لتجيب على أسئلتي وإلحاحي عما يجري أو لعلها خبأت الأمر حتى لا يندلق لساني الطفولي فيبوح لإخوتي
ورفيقاتي فينهار كل شيء تعجبت كثيرا وأنا أراها تشق ثوبها بأسنانها ثم تحيك ثوبا على عجل بدى أقرب لكيس الطحين منه للثوب
سوى أشياء تتدلى كالاذنين من فوقه يبدو أنهما أكمامه المفترضة !! وفي صمت كئيب تشير لي أن أقف بلا حراك ثم تلقيه على جسدي وتأمرني أن أثبته بكفيي على كتفيي ثم تنحني حيث قدماي لتتأكد من أن طوله يتوافق وطولي كانت حريصة على أن يكون الثوب طويلا محتشما والأكمام طويلة أيضا و حريصة أكثرعلى أن تخيط فيه جيبا داخليا رأيتها تنتزعه بقوة من أعلى ثوبها و تثبته بعدة دورات بإبرتها الصغيرة وتقضم الخيط بأسنانها تفصله عن الجيب ثم تغرز الإبرة في بكرتها وتدسها من جديد في علبة معدنية علاها الصدأ
__________________________________________
كنت أعرف سبب تهريبي وأقدر خوف عائلتي فقد كان خوفهم على شرفي أحدها وأقواها على الإطلاق ، حين كان الجنود يدخلون البيوت يبحثون عن الشبان ليجندوهم أو يعاقبوهم إن كانوا ثوارا مقاومين أما الفتيات فقد كانوا يسرقونهن خاصة أكبر فتيات البيت وكثيرا ما تغتصب بلارحمة وقد تجبر على التجنيد والخدمة أو يعدونها للتجسس وتتبع الأخبار السرية بين البيوت والعوائل !
وفي كل مرة يدخل فيها الجنود إلى بيتنا ليبحثوا عن الشبان والشابات كانت أمي تطلب مني أن ألتصق بالارض حتى أبدو أقصر فلن يصدقوا أنني بعد لا أزال طفلة في الثالثة عشر من عمرها
كانت آخر مرة يقتحم فيها الجنود بيتنا مبررا كبيرا ليستعجلوا رحيلي ويتدبروا ثمنه لقد كان الجنود بملامحهم الصارمة وحركة أحداقهم النافذة قاب قوسين أو أدني لانتزاعي لكنها أمي وهي تلمح اصفرار وجوههم وتكاد تسمع قرقرة بطونهم أشعلت نارها على عجل وألقت أقراص العجين التي كانت ستكون عشاءنا تلك الليلة لتفوح رائحة الخبز التي دارت لها رؤوسهم ونسوا ماجاءوا لاجله أو لعلهم تناسوا وهبطت عليهم بعض الأخلاق شكرا لصنيع أمي وزعت أمي عليهم أقراص الخبز الساخنة التقطوها ودسوها في أفواههم على عجل بقضمتين كبيرتين وابتلعوها وبخارها لازال يتصاعد من أفواههم
ثم مضوا دون أن يسحبوني معهم لكن من يضمن مضيهم مرة أخرى وماذا لو جاءوا ببطون ممتلئة ؟ أو حتى وشى بهم أحدهم فتكون أرواحهم قد فارقت أجسادهم الآن ! فأصبحوا عبرة لغيرهم الذين ترق قلوبهم وتقرقر بطونهم !
وفي اليوم التالي تناقلت بيوت الجيران أخبار سعيد الذي مات كمدا وهو مقيد في بيته ينظر للجنود يغتصبون بنياته الثلاث ماتت أصغرهن ودفنت قرب والدها خلف بيتهم ! في حين اقتادوا معهم الفتاتين !
زلزل هذا الخبر كل البيوت التي لديها فتيات ومنها بيتنا ! وتراكض الأهل للبحث عن مكان آمن لبنياتهم ولو كان هروبا مدبرا ومدفوع الثمن !
_______________________________________
خلعت أمي قرطيها وأزاحت حجابي ودستها بصعوبة في ثقب أذني تألمت بصمت فقد كان عهدي بالاقراط بعيدا همست لي بالمحافظة عليها وكم تمنيت ذلك لكن إحدى النساء لمحتهمها فيما بعد والتقطتها قبل الأخريات ؟ تمنيت لو أقاتلها وأمنعها من سرقتي لكنني من الضعف بحيث لايمكنني ذلك
دفعت أمي النقود لأحد الرجال الثلاثة الذين أوكل لهم مهمة تهريبنا وكانوا ينتظرون ذلك بشغف المنتظر رزقه !
ثم مضت تركض للحافلة التي بدأ الغبار يتطاير حولها
كنت لاأزال واقفة واليد القوية تهزني وتسحبني وأنا أتأمل أمي وقد التصقت قدماي بالأرض فأصبحتا كقطعة منها ، كصخرة من صخورها ! صمت كل شيء في جسمي وبدوت كمن شلت تماما فقط حدقتاي تتابعان أمي وترقبان حركاتها السريعة
كانت تركض خلف الحافلة التي يهدر محركها ولم تتحرك بعد !
ثوبها يتطاير فوق قدميها النحيلتين تبدو حصيات صغيرة تضرب أصابعها العارية من بين حذائها الممزق، كانت تتمايل كعود القصب تهزه الريح ، كسنبلة يابسة في يوم عاصف !!
ثم غابت عني في الغبار !! وتيبست مكاني
لكنها عادت
يا إلهي
أمي عادت لي !
أسمعها تصرخ باسمي باسمي الذي تدللني به صغيرة تقوله حد الهذيان
رابعتي
وانطلقت الياء من حلقها تمتد في صدى طويل طويل يملأ الجبال والصحاري والوديان يملأ أذني وقلبي والكون من حولي
وقفت ودموعي تصب صبا ودموعها تصب حتى الأرض
جاءت إلي وارتميت في حضنها طوقتني بذراعيها وعصرتني بكامل قوتها ونحن ننتحب كنت أسمع أنين قلبها وأسمعها أنين قلبي ،كنا ملتصقتين وبدوت كما كنت جنينا في بطنها وهي تعاني آلام ولادتي وانتزاعي من جوفها ! لكنها لاتقوى لتفعل ولا أقوى على أن تلدني من رحمها مرة أخرى ، لن ننفصل هكذا توقعت سنبقى هكذا حتى يرحل الجميع وحتى يرحل المعتدي الذي فرقنا ويلملم جنوده المقتولين بأيدينا ! لن نفعل يا أماه ولن نفترق
كانت أمي تبكي وأنا أتخدر بين يديها اذوب فيها وأكاد أختفي بين ضلوعها
حتى جاء ذلك الصوت الهاديء كأنه هبط من السماء التفتت أمي وتطلعت بين ذرات الغبار وغصت بدموعها وقد تحول نياحها أنينا يقطع قلبي والمرأة تكمل حديثها:
إنها مصيبتنا كلنا لست وحدك ، توكلنا على الله ، توكلنا على الله وتابعت
بالكاد أوقفت الحافلة لأجلك
___________________________
عليها إذن أن تلحق بالحافلة إلى شارع ( كيدزي ) في ضواحي شيكاغو حيث تكثر المحلات العربية و( البقالات ) التي توفر كل ماهو معتاد في البلاد العربية ولابد أن تعرج على شارع ( ديفان ) حيث المحلات الهندية والتي قد تتوافق وذوق والدتها .
ألقت جلبابها على جسدها وأحكمت خمارها والتقطت حقيبتها وشالها الصوفي وتوجهت لموقف الحافلة اتسعت حدقتيها ومشت وهي تبتسم وكأن الشوارع غير الشوارع التي اعتادتها والبيوت غير البيوت بل لكأن مساحات واسعة امتدت رحبة أمامها وبدت هذه المساحة تحديدا غير مأهولة بالبشر والموجودات سواها ! كانت تشعر بلذعات الفرح تجتاحها ويقشعر لها جسمها فتبدو طفلة تكاد تقفز( وتنط) بخطوة عالية تتلوها أخرى وتتمتم بأنشودة حلوة
ماما زمنها جاية ..جاية بعد شوي
لم يكن الوقت ملائما لتتألم لكن قلبها انقبض سريعا وهي تتذكر المرة الأولى التي سمعتها من ابنة الجيران الصغيرة كانت للتو بدأت تفهم العربية أكثر وتميز لهجاتها بشكل مثير !
حين سمعت تلك الكلمات وتبينت معناها شهقت يومها وألقت وجهها بين كفيها وبكت طويلا حتى أنها لم تعتذر عن مواصلة الجلسة مع بقية الجارات اللاتي تفهمن مشاعرها وبعضهن بكين معها وأخريات نهرن الصغيرة التي قالتها وصمتت بدورها وهي لاتعي ماذا اقترفت ؟
بعدها حفظت رابعة تلك الكلمات وصارت
ترددها مرات ومرات ولم تنسها بعد مجيء أطفالها فظلت تهدهدهم بها حتى كبروا وضاعت أنشودتها وأصبح هذا المجيء عصيا وصارت هذه ال ( شوية ) ربع قرن من الزمن !
_____________________________________
التقطت إحدى النسوة منظرهم وخيل لها أنهم سراب لكنهم اقتربوا جدا وهم يلهثون ويطلبون منا الاختباء بسرعة وصوت الطائرة بدى وكأنه فوقنا ارتجفت قلوبنا ونحن نتبع الرجال تحت شق في الجبل تكورنا ومسكنا رؤوسنا التي مازلت تقطر بالماء العذب ونحن نسمع صوت القذائف غير بعيدة لا أدري كم بقينا على هذه الحالة لكنها بمقياس الخوف والهلع قد يكون دهرا طويلا كعمر الديناصورات ! قام الرجال يتفقدوننا وصوت القذائف لازال يطن في آذاننا ولم نستوعب أننا نجونا بالفعل توجهوا بنا للمخبأ المعتاد وفي طريقنا كنا نرى الاشلاء الممزقة وناس يركضون هم من بقى من المستهدفين ، صعقت لذلك المنظر ووضعت كفيي على وجهي وأنا أشهق وقد تملكني رعب شديد كنت انظر من بين اصابعي لتلك المرأة الحبلى لاتزال تتدحرج وهي تنازع وبطنها منفوخة ! لم يكن احد باستطاعته أن ينقذ أولئك المحتضرون فات الوقت ولاسبيل إلا للنجاة بأنفسهم فقد تعود الطائرة ذاتها مرة أخرى أو غيرها سيان ليجهزوا على الاشلاء النازفة وقد صمموا أن يحيلوها أشلاء صغيرة أيضا يسهل للسباع ابتلاعها !
ذلك الوقت شعرت أنني بالفعل خرجت لعالم مجهول ظالم مخيف ، يستلذ بتقطيع الاجساد ويتغذى على الدماء ،
عالم موجع يقتات البعض منهم من أشلاء البعض الآخر !
عالم بشع تسكنه القذارة ويخضب كفيه بها
عالم مجنون لا يستحي أن يترك ضعفائه بين الأقوياء يدوسونهم بأقدامهم وبقنابل الطائرات !
عالم انقسم إلى سادة وعبيد فقط ، وتصارع الأقوياء ليسحقوا الضعفاء وليجعلوا لحومهم طعاما طريا للسباع التي أظنها برغم الشبع لو نطقت لتقززت مما يحصل وتبرأت من ظلم البشر ، كل شيء كان مخيفا وموجعا ومشبعا بالدماء ولحوم البشر النازفة !
______________________________________
بعض الرجال كانوا متحلقين في دائرة ضيقة وقد جفت ألسنتهم وتمزقت حكاياهم ،لاشيء هنا يوحي بمتعة الحديث !لاشيء يستحق أن يقال في الحقيقة !
ونساء متحلقات أيضا بعضهن يحضن صغارا يفترشن الارض أو يتكومن فيما يشبه مثلثات حجرية تماما فوق نتوءات الحصى التي دحرجوها قرب بيوتهم لتكون كراسي مثلا ونواصب للقدور أيضا !
قلت بيوت ؟
ياللخيبة !
ليس فيها مايمكن أن يوحي بدلالة الكلمة ! لاشيء يمكن أن يوهم الرآي أن هذه الاسمال المتراكمة وقطع الكراتين المرصوفة وألواح الخشب المائلة للسواد يمكن أن تكون بيتا !يبدو أنهم في طور البناء دائما وهم يكومون عليها كل مايمكن أن يستر !
يستر العورات التي قد تنكشف وهي نائمة ! يستر الطاهرات اللاتي هربن بشرفهن إلى هنا !
____________________________
فحين تساقط جسم إحداهن يوما ما فوق ساقاي وتعالت صرخاتي بحجم الألم الذي اجتاحني وقتها ، والخوف الذي تمكن من قلبي وكاد يشله حين كنت نائمة في منتصف ليلة مظلمة من ليالي آخر الشهر القمري عرفت حينها أن للخوف أنواع وللمآسي صنوف تتدرج في الشدة وتتفاوت في طاقات الاحتمال ذلك أنني عرفت أن مأساتي كطفلة صغيرة هاربة جائعة خائفة ينتظرها مصيرا مجهولا وتنعم بحماية مؤقته بين أسر غارقة في حزنها ومآسيها تبقى نقطة صغيرة وربما لاشيء أمام هذه الجثة التي تمشي وتحيا وتتنفس !
وحين ساقتها قدماها الجريحتين لتسقط فوق قدمي كنت أقرأ في نوائب الدهر وأتعلم صنوف العذاب وتنفرج القناعة أمامي شيئا قليلا
وقتها ضمتها النسوة اللاتي أفقن على صرخاتي وضمدن جراحها وأسقوها من الماء القليل النظافة الذي كان بحوزتنا وأخرجت إحداهن قطعة خبز مطوية كانت مخبأة في جيبها وقدمتها لها كنا نراها تحت ضوء النجوم تلهث في اعياء وصدرها يعلو ويهبط وأنفها يصفر بقوة حتى وهي تلتهم قطعة الخبز وتقذف الماء دفعة واحدة في جوفها وتسقط مرة أخرى في نوم عميق وغريب كنت أظنها ميتة وظللت أطل في وجهها من وقت لآخر كان جبينها وملامحها منقبضة !وعلى قسماتها حزن كبير ومأساة عميقة وموجعة
أفاقت بعد عدة ساعات لتقول مأساتها التقطت بعض أطراف حكايتها وأنا احاول أن أمد عنقي لأسمع ماتقوله فقد كان صوتها يختفي من حين لآخر خاصة حين تعصر عينيها وتغيب حروفها المتقطعة بين شهقاتها وخلف اطراف كمها الطويل وهي تمرره فوق عينيها وتودعه وابل شديد من دموعها ثم تزيحه فتخرج دائرتين كقطعتين من دم لاتستطيع ان تؤكد أنها تعني عيني فتاة سوى بتلك الأهداب الطويلة التي تحيطها !!
لم أتمكن من فهم مأساتها تماما وقتها لكنني فيما بعد ربطت بين الكلمات التي استطعت سماعها منها فتبينت مأساتها أكثر وعرفت وقتها أن شفقتي عليها وأنا أراها لاول مرة قليلة جدا !!
كلماتها الموجعة والتي قالتها وهي لاتشعر بأنها ستخسر المزيد فقد خسرت كل شيء سوى روحها التي هربت بها وقدر الله تعالى لها أن تعيش دون الآخرين لم أكن بحاجة لتفسير كلمات من جنس
ركض ، هروب ، طائرة ، دماء ، أشلاء ، ألغام وموت
لكن فهمي الطفولي وقتها استعصى عليه أن يربط بين كلمات من نوع: اغتصاب ، عدة رجال ، حبس ، اجهاض !!
لكنها استطاعت أن تنبت في مخيلتي وأنا أكرر الكلمات ورفيقاتي !
الشيء الذي أحزنني أنها لم تستطع أن تقوم من مكانها الذي سقطت فيه وظلت تدور برأسها بيننا حتى ماتت ودفنوها في المقبرة المجاورة بلا اسم ولاهوية و ربما لازال أهلها ينتظرون قدومها وربما رحلوا قبلها ولعل في حكايتها تفاصيل كثيرة لم تعد بحاجه لها غابت هي ونسيناها نحن أيضا فلابد أن نطوي الصفحات سريعا فهي كثيرة كثيرة جدا بعدد كل تلك الأعداد الهائلة التي تضج أمامنا
________________________________
مشيت خلفه وأنا ممتنة كثيرا له أشعر بالاطمئنان يتسلل لقلبي وتكاد طبوله تختفي مضى بي إلى منزل قديم كانت زوجته قبيل المغرب تنهي طبخ طعامهما الذي أشك أنني استطعمت لذته من قبل دارت رأسي لرائحته ولم يعد بي أي احتمال لتتم انضاجه تمنيت لو يجعلوني ألتهمه ولو كان نيئا وحتى لو نبت في جوفي !
حدقت في بشفقة أظنها كبيرة وأنا أكاد أخطف يدها وهي تقدم صحن الفخار ودخانه المتصاعد يلهب وجهي وأنا أجلس متقرصفة أدس رأسي في الطبق وقد نسيت من حولي كنت أدور باللقمة الملتهبة فوق لساني أنقلها بين جانبييه ولا أجرؤ على التفكير في إخراجها بتاتا حتى وهي تكاد تسلق لساني كنت أفتح فمي واشفط الهواء ثم أزفره ليصدر صوتا غريبا كصوت الأعاصير وابتلعها على عجل وتكمل لهيبها في جوفي وألتقط لقمة أخرى أجمعها بين اصابعي وأكورها في راحتي ثم أنفخها قليلا بهواء من فمي لايزال ساخنا ويكاد يزيدها اشتعالا لكنني أقترف قذفها في فمي وأمتصها حينا وأدور بها بين فكي حينا آخر وقد فقدت بعض الاحساس بالطعم في لساني !
حين انتهيت ولا أدري ما الذي أكلته سوى أنه ألذ أطباق العالم وقتها
ابتسمت المرأة وهي تغرف لي مرة أخرى التقطته ولكن هذه المرة على استحياء ودسست رأسي مرة أخرى أجمع اللقيمات وأرميها متتابعة في فمي ولما تبينت أن في فمي قطعة صغيرة من اللحم تمنيت لو تركتها لاحتفل بها في النهاية وأظل أنتظر قدومها، لم أكف عن ابتلاع اللقيمات حتى أنهيتها وثنيت سبابتي ودرت بها على كامل الصحن أتتبع نتفا صغيرة ثم أمص أصابعي وألحس راحتي وأنا أسند رأسي على جدار طيني في استراحة نادرة لمحارب صغير لكنها هذه المرة حربا لذيذة حربا مع لقيمات ساخنة فقط نتيجتها تبدو في هذا الارتياح الذي ينعم به جسمي بل كومة العظام التي اتكأت على الجدار
شعرت بما يشبه الغفوة وأنا أفيق على يدها الرائعة تمدها وهي تقبض على كوب يبدو فيه ماء فتحت عيني ونظرت لها بامتنان وأنا أمد يدي وألتقطه فرأيتها تسبح في دموع غزيرة وتبتسم لي !
لا أشك انها دموع الشفقة لهذه البائسة الجائعة الوحيدة الطريدة وربما تلفها ذكرياتها السابقة فمن منا لم يعاني ويهرب ويجوع ويركض إلى المجهول ، انحنيت لاتبينه وحين رأيت ملامحي البائسة ووجهي الذابل كدت أصرخ فرحا !
إنه نقي!
صافي !
هذا الماء يشبه ماء الشلال العذب ، يشبه ماء أمي التي تجاهد لتبقيه نظيفا ، يشبه الحلم ! لم يكن عذبا فحسب بل بدى لي أنه أعذب مياه العالم كلها وأنظفها على الاطلاق لم يكن فيه حشرات طافية مثلا أو أعواد صغيرة ونقطا سوداء ولونه يميل للصفرة دائما !
صببته في فمي وأنا أشعر ببرودته تتسلل إلى جوفي كجدول عذب يتسلل فجأة في صحراء قاحلة إذ لاتزال سخونة اللقيمات تدخن فيه !
عدت لأستند على الجدار وقد بدأت أشعر بوجودي !
معلومات إضافية
-
عدد الصفحات:
-
الحجم:
-
نوع الورق:
منيرة ناصر آل سليمان
البريد الالكتروني: هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيتهأضف تعليق
3 تعليقات
-
رابط التعليق
الاثنين, 26 أبريل 2010 18:07
كتب بواسطة أم جواد
والله متحمسة أشتريها...مقاطع محفزة للإقتناء..:) شكرا منيرة... شكرا دار رواية..
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
-
رابط التعليق
الأربعاء, 24 مارس 2010 06:14
كتب بواسطة عبد الرزاق
رواية رائعة . وفق الله الكاتبة.
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
-
رابط التعليق
الثلاثاء, 09 مارس 2010 17:37
كتب بواسطة متابع
مبارك أستاذة منيرة نتمنى أن تتوفر الرواية في المكتبات موفقة
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته